محمد عزة دروزة

171

التفسير الحديث

وكان بين أصحاب المراكز تضامن وتساند ، وكان لهم دار ندوة قرب الكعبة يجتمعون فيها للمداولة في مختلف شؤون القبيلة ، وقد كان هذا مع كونهم أهل حرم اللَّه وسدنته وسقايته وعمارته مما جعل لهذه القبيلة خطورة واحتراما بين سائر العرب ، وسيدنا محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من أحد بطون قريش البارزة وهو بطن هاشم . وكان عمه العباس صاحب مركز هذا البطن وكان يتولى سقاية الحج أي أمر توفير المياه للحجاج في موسم الحج ( 1 ) . والمتبادر أن تعبير « البيت » والإشارة القريبة إليه وتذكير قريش بما كان من أفضال اللَّه عليهم متصل بتلك الخطورة وإدراكها ، والتعبير يلهم أن قريشا كانوا يعتقدون أن الكعبة بيت اللَّه ، والآيات التي أوردناها تلهم أن العرب كانوا يشاركون قريشا في هذه العقيدة . ويحجون الكعبة وهي المرادف القرآني للبيت على ما جاء في الآية [ 97 ] من سورة المائدة . ويحترمون حرمها وقدسيتها وأمنها على أساس هذه العقيدة . وكانت الحرمة والقدسية شاملة لجميع منطقة مكة على ما تفيده الآيات العديدة التي منها آية سورة النمل هذه : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِه الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَه كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‹ 91 › ومنها آيات سورة القصص [ 57 ] وسورة العنكبوت [ 67 ] التي أوردناها آنفا . وعلى هذا فإن الكعبة وحجها كان نوعا ما مظهرا لوحدة عربية دينية قبل البعثة . وقد اقتضت حكمة اللَّه عز وجل أن يبقى تقليد الحج وحرمة الحرم المكي ومعظم طقوسه بعد تنقيتها من شوائب الشرك في الإسلام بسبب ذلك على ما هو المتبادر واللَّه أعلم . والكعبة غرفة مثمنة الأضلاع تقوم في وسط الحرم المكي . ولها باب مرتفع عن الأرض بنحو متر ثم يرتفع البناء إلى نحو خمسة أمتار ويقوم السقف على ستة أسطوانات مرمرية . ويبلغ مسطحها الداخلي نحو ثلاثين مترا ، والبناء الحاضر هو بناء إسلامي وقد تجدد ورمّم في الإسلام أكثر من مرة . وهو مكان بناء قديم وعلى صورته التي كان عليها قبل البعثة . وهذه الصورة ليست هي القديمة الأولى وإنما

--> ( 1 ) انظر كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 215 وما بعدها .